محمد بن محمد ابو شهبة

226

المدخل لدراسة القرآن الكريم

ومما يؤخذ على هاتين الروايتين أنهما اتفقتا على أن أول ما نزل « اقرأ » ثم « ن والقلم » ثم « يا أيها المزمل » ثم « يا أيها المدثر » . . . وهو يخالف ما حققناه سابقا من أن أول ما نزل بعد صدر سورة « اقرأ » هو صدر سورة « المدثر » وكان ذلك بعد فترة الوحي ، ولعل النظرة الفاحصة في أوائل « ن » و « المزمل » و « المدثر » تهدينا إلى أن « المدثر » هي الأنسب بالتقديم على أختيها إذ قد اشتمل صدرها على الأمر بالإنذار وهو الأليق بالتقديم . ولعل هذا النقد الذي ذكرته هو ما أشار إليه الإمام السيوطي حيث قال بعد أن ذكر رواية جابر بن زيد : هذا سياق غريب وفي هذا الترتيب نظر . الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني لمعرفة المكي والمدني طريقان : 1 - سماعي . 2 - وقياسي . أما السماعي فالنقل الصحيح عن الصحابة أو التابعين بأن سورة كذا أو آية كذا نزلت بمكة أو بالمدينة أو قبل الهجرة أو بعدها . وأما القياسي فضوابط كلية لمعرفة كل منها وهذه الضوابط مبناها على التتبع والاستقراء المبني على الغالب والكثير . ضوابط المكي 1 - كل سورة فيها « كلا » مكية ، وقد وردت في القرآن ثلاثا وثلاثين مرة في خمس عشر سورة كلها في النصف الأخير قال الدريني رحمه اللّه : وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن * ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى قال العماني : وحكمة ذلك أن النصف الأخير نزل أكثره بمكة ، وأكثر أهلها جبابرة فتكررت كلا على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول ، وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم « 1 » .

--> ( 1 ) الإتقان ج 1 ص 18 .